محمد باقر الملكي الميانجي
21
مناهج البيان في تفسير القرآن
« وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا » . ( الواقعة / 5 ) والظّاهر أنّ اختلاف التّعبيرات في موران السّماء وانفراجها وانقلاعها ، وفي اندكاك الجبال وبسّها وغيرها من العبارات ، إنّما هو باعتبار مراتب الانخراق والانهدام من حيث التقدّم والتأخّر . مثلا تأخذ في بدو الأمر في الزّلزلة ، إلى أن تنتهي إلى آخرها . فقوله تعالى : « وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً » توضيحه وتفسيره في قوله تعالى : « يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا » . والكثيب : الرّمل الكثير . والمهيل : المتحرّك السّيّال . فالأرض والجبال بعد ما زلزلت وسيّرت ، صارت كالرّمل الكثير المائر . والأرض ذات الرملة السبخة يراها الناظر من بعيد كأنّها ماء تلمع يحسبه الظمآن ماء وإذا جاءه لم يجده شيئا . وهذا أمر طبيعيّ واقعيّ صار مثلا ، لا من الأمور الخياليّة الوهميّة ، تشبيها للموهوم بالمحسوس تقريبا إلى الأذهان . وفي النهج ، الخطبة / 195 ، عن أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه - قال : « وتذلّ الشّمّ الشّوامخ والصّمّ الرواسخ ، فيصير صلدها سرابا رقرقا ومعهدها قاعا سملقا . . . . » في لسان العرب 10 / 164 : السّملق : الأرض المستوية . . . القاع المستوي الأملس والأجرد لا شجر فيه وهو القرق . وفي البرهان 3 / 33 : في رواية أبي جارود عن أبي جعفر - عليه السّلام - قوله : « قاعا صفصفا » : « فالقاع : الّذي لا تراب له . والصّفصف : الّذي لا نبات له . » أقول : فتحصّل في المقام أنّ تسيير الجبال سرابا أمر طبيعيّ خلقه - سبحانه - وجعله سببا لكون الجبال كثيبا مهيلا وكونها سرابا تلمع كالماء . وليس كونها سرابا أمرا وهميّا في الواقع وبحسب الحقيقة . وتشبيه الأمور الوهميّة به إنّما هو لخفائه وخفاء علله عند العامّة ، لا أنّه أمر وهمّي في الواقع . وأقصى ما يمكن من التأويل في المقام ما ذكره في المجمع 10 / 423 ، قال : « فكانت سرابا » ؛ أي : كالسراب .